عبد الله الفاسي الفهري
54
الإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر
الصالح سيدي عبد اللّه بن حسون دفين سلا ، فقعدت إلى جنبه وقد مد رجليه والأعراب يتساقطون عليه يقبلون يديه ورجليه ، قال : فخطر ببالي أنه ، كيف أطلق هذا الرجل نفسه للناس هكذا ؟ قال : فلم يتم الخاطر إلا وقد قال : أيها الناس رجل قيل له من مس لحمك لم تمسه النار ، أو لم تأكله النار أو نحو هذا ، أفيبخل بلحمه عن المسلمين ، قال : فلما سمعت كلامه وعلمت أنه على خاطري تكلم ، تبت إلى اللّه تعالى في نفسي ، فجعلت إذا مد إليه أحد كاغدا ، وكان يكتب الحروز ، تلقفته من يده وناولته الشيخ وقبلت يده ، فإذا كتبه أخذته من يده وقبلت يده ، فيحصل له في كل حرز تقبيلتان ، قال : ورأيت عنده أمورا أشكلت علي ، منها أنه يؤتى بالثياب هدية وصدقة فيأمر بها فترمى في بيت وتبقى كذلك يأكلها السوس ، ومنها أنه كل يوم يصبح عليه « 1 » الآلات فيضربون عليه ، قلت : أما الثياب فالذي يظهر في أمرها أنه إما غيبة حصلت للشيخ عنها ، وليس ذلك بمستنكر في أمثاله من المستهزئين « 2 » في ذكره ، وأما خارج مخرج القلنسوة التي رمى بها الإمام الشبلي في النار ، ومائة دينار التي رمى بها في دجلة ، وتأويل ذلك معروف عند أهل الطريق لا نطيل به . وأما أمر الآلات ، فإما أنه كان يستفيد من تلك الأصوات أسرارا ومعاني ، ونظيره ما حكى الإمام أبو بكر بن العربي في سراج المريدين عن الشيخ أبي الفضل الجوهري : أنه بات بجواره ذات ليلة أصحاب الآلات فشغلوه عن ورده بما هم عليه من لهوهم وباطلهم فلما أصبح وجلس في مجلسه ، قال : أنه بات بجوارنا البارحة قوم ملئوا مسامعنا علما وحكمة . قال أولهم : لي لي لي فقال الآخر لي ولك فقال الآخر كذا ومثل ذلك بمتناظرين وجعل يقرر ذلك حتى قضى المجلس كله بأنواع الحكم واللطائف والأسرار ، وهذا من أعجب ما يتحف اللّه « 3 » أولياءه ، فقد غيبه اللّه عن صورتها الباطلة وأشهده سرها الباطن فيها .
--> ( 1 ) يصبح عليه أهل الآلات ، المصدر السابق . ( 2 ) المشتهرين ، المصدر السابق . ( 3 ) بالمصدر السابق : ما يتحف اللّه به أولياءه .